الغزالي

431

إحياء علوم الدين

السادس : أن يكون قلبه بعد الإفطار معلقا مضطربا بين الخوف والرجاء ، إذ ليس يدرى أيقبل صومه فهو من المقربين ، أو يرد عليه فهو من الممقوتين . وليكن كذلك في آخر كل عبادة يفرغ منها ، فقد روى عن الحسن بن أبي الحسن البصري أنه مر بقوم وهم يضحكون فقال : « إن الله عز وجل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه لطاعته ، فسبق قوم ففازوا ، وتخلف أقوام فخابوا ، فالعجب كل العجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه السابقون وخاب فيه المبطلون ! أما والله لو كشف الغطاء لاشتغل المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ! أي كان سرور المقبول يشغله عن اللعب ، وحسرة المردود تسد عليه باب الضحك . وعن الأحنف بن قيس أنه قيل له إنك شيخ كبير وإن الصيام يضعفك ، فقال إني أعده لسفر طويل ، والصبر على طاعة الله سبحانه أهون من الصبر على عذابه . فهذه هي المعاني الباطنة في الصوم فان قلت : فمن اقتصر على كف شهوة البطن والفرج وترك هذه المعاني فقد قال الفقهاء : صومه صحيح ، فما معناه ؟ فاعلم أن فقهاء الظاهر يثبتون شروط الظاهر بأدلة هي أضعف من هذه الأدلة التي أوردناها في هذه الشروط الباطنة ، لا سيما الغيبة وأمثالها ، ولكن ليس إلى فقهاء الظاهر من التكليفات إلا ما يتيسر على عموم الغافلين المقبلين على الدنيا الدخول تحته ، فأما علماء الآخرة فيعنون بالصحة القبول ، وبالقبول الوصول إلى المقصود ، ويفهمون أن المقصود من الصوم التخلق بخلق من أخلاق الله عز وجل ، وهو الصمدية ، والاقتداء بالملائكة في الكف عن الشهوات بحسب الإمكان ، فإنهم منزهون عن الشهوات ، والإنسان رقبته فوق رتبة البهائم لقدرته بنور العقل على كسر شهوته ، ودون رتبة الملائكة لاستيلاء الشهوات عليه وكونه مبتلى بمجاهدتها فكلما انهمك في الشهوات انحط إلى أسفل السافلين ، والتحق بغمار البهائم ، وكلما قمع الشهوات ارتفع إلى أعلى عليين ، والتحق بأفق الملائكة ، والملائكة مقربون من الله عز وجل ، والذي يقتدى بهم ويتشبه بأخلاقهم يقرب من الله عز وجل كقربهم ، فان الشبيه من القريب قريب ، وليس القرب ثمّ بالمكان بل بالصفات وإذا كان هذا سر الصوم عند أرباب ، الألباب وأصحاب القلوب ، فأي جدوى لتأخير أكلة وجمع أكلتين عند العشاء ، مع الانهماك في الشهوات الأخر طول النهار ؟ ولو كان لمثله جدوى